لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وعدٍ للمستقبل، بل أصبح واقعًا ملموسًا يتطلب أطرًا رقابية وإشرافية. في إسبانيا، تتخذ مؤسسات وإدارات مختلفة خطوات ملموسة لدمج الذكاء الاصطناعي في هياكل حوكمتها، بدءًا من إنشاء إدارات جديدة وصولًا إلى عقد مؤتمرات لتحليل كيفية الامتثال للوائح الأوروبية. لم يعد التحدي تقنيًا فحسب، بل أصبح أيضًا تحديًا يتعلق بالحوكمة والمسؤولية المؤسسية.
خلال الأسابيع القليلة الماضية، سلطت ثلاثة أحداث الضوء على الأهمية المتزايدة لإدارة الذكاء الاصطناعي بطريقة منظمة وأخلاقية. فقد استضافت نقابة المحامين في مدريد (ICAM) مؤتمراً حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، وأعلنت حكومة الأندلس عن إنشاء إدارة متخصصة لهذا الموضوع، وناقش المؤتمر الدولي الثاني لعلم النفس والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال (CIPIE 2026) دور الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية. وتشترك جميع هذه المبادرات في خيط مشترك: ضرورة وضع قواعد واضحة وآليات رقابية فعّالة.
من قانون الذكاء الاصطناعي إلى التطبيق العملي: الحوكمة كأولوية

جمع مؤتمر "نحو ذكاء اصطناعي مسؤول: الحوكمة والثقة والإدارة المسؤولة بموجب معيار ISO/IEC 42001"، الذي نظمته نقابة المحامين في مدريد (ICAM)، ممثلين عن القطاعات القانونية والتكنولوجية والتجارية. وكان الهدف من المؤتمر تحليل كيفية ترجمة لائحة الذكاء الاصطناعي الأوروبية (قانون الذكاء الاصطناعي) ومبادئ معيار ISO 42001 إلى أنظمة إدارة فعّالة. وأشار أليخاندرو تورينيو، رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في نقابة المحامين في مدريد، إلى أن "الذكاء الاصطناعي لم يعد المستقبل، بل هو الحاضر"، وأن النقاش قد تحوّل من مرحلة التجريب إلى مرحلة حوكمة الشركات. وشارك خبراء من شركات إيبردرولا وبانكو سانتاندير وأماديوس في جلسة النقاش، واتفقوا على أن الامتثال لقانون الذكاء الاصطناعي يتطلب دمج الذكاء الاصطناعي في هياكل الرقابة القائمة، وتجنب الازدواجية والعمل بمعزل عن بعضها. كما تم التطرق إلى ما يُسمى بـ"الذكاء الاصطناعي الخفي" والاعتماد على مزودي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الكبار.
تلتزم الأندلس بإنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي
في المجال السياسي، أعلن رئيس حكومة الأندلس الإقليمية، خوانما مورينو، عن إنشاء وزارة جديدة للذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية والإدارة العامة، برئاسة خوسيه أنطونيو نييتو. ووفقًا لمورينو، تستجيب هذه الوزارة لمتطلبات العصر الحديث، حيث يُطبّق الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الرعاية الصحية وخدمات المواطنين. ويهدف هذا الإجراء إلى توفير دفعة منسقة للرقمنة والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا في الخدمات العامة، مع تعزيز توازن القوى في مواجهة القوى السياسية الأخرى. وبذلك، تُصبح الأندلس واحدة من أوائل المناطق ذات الحكم الذاتي في إسبانيا التي تمتلك إدارة متخصصة في الذكاء الاصطناعي.
علم النفس والأخلاق، الموضوعان الرئيسيان للنقاش في معرض CIPIE 2026

ركز المؤتمر الدولي الثاني لعلم النفس والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال (CIPIE 2026)، الذي عُقد في حرم جامعة نافارا بمدريد، على تأثير الذكاء الاصطناعي في الممارسة النفسية. وعلى مدار ثلاثة أيام، قام متخصصون وباحثون وشركات بتحليل التحديات والفرص الأخلاقية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة النفسية. وتم التأكيد على ضرورة تعزيز بيئة ابتكارية قائمة على الأدلة العلمية، بيئة تُشجع الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا وتُتيح فرصًا ريادية جديدة. كما شدد المؤتمر على أهمية التعاون بين الجامعات والمؤسسات والشركات لتطوير أدوات موثوقة ومسؤولة.
تُعدّ حوكمة الذكاء الاصطناعي قضية شاملة تؤثر على الأنظمة الأوروبية والحكومات الإقليمية والجمعيات المهنية. ويُظهر إنشاء إدارة الأندلس، ومؤتمرات ICAM، ومؤتمر CIPIE، أن إسبانيا تتجه نحو نموذج للذكاء الاصطناعي الخاضع للرقابة والأخلاقي والذي يخدم الصالح العام. ويكمن مفتاح النجاح في قدرة المؤسسات ليس فقط على الامتثال للوائح، بل أيضاً على إثبات هذا الامتثال، مما يُعزز الثقة بين الجهات التنظيمية والعملاء والمجتمع ككل.

